اسماعيل بن محمد القونوي
74
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 51 ] أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قوله : ( أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ آية مغنية عما اقترحوه ) أي أقصر ولم يكفهم فالاستفهام لإنكار النفي وإثبات المنفي أي أو قد كفاهم الكتاب الكامل في الهداية . قوله : ( يدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم آية ثابتة لا تضمحل بخلاف سائر الآيات ) يدوم الخ أي صيغة المضارع للاستمرار أي يدوم تلاوته في كل مكان وزمان فلا يزال معهم الخ قوله بخلاف سائر الآيات فإنها تزول بعد وجودها وأيضا يكون في مكان دون مكان كما يكون في زمان دون زمان فمن لم يؤمن بالمعجزة التي هذا شأنها فكيف يؤمن بالآيات التي لا تبقى مرور الدهور فهذا الكلام رد لاقترافهم على أبلغ وجه وبيان لكمال عنادهم ومكابرتهم وأيضا الآيات والمعجزات كلها في حكم آية واحدة في الدلالة على نبوة النبي . قوله : ( أو يتلى عليهم على اليهود بتحقيق ما بأيديهم من نعتك ونعت دينك ) فضمير عليهم مختص بهم ولم يتعرض للنصارى لأنهم ليسوا بين أظهرهم كاليهود لكنه مفهوم أحوالهم بدلالة النص اخره إذ التخصيص خلاف الظاهر فالعموم هو المتبادر لكن التلاوة على المشركين للتحدي ببلاغته وإعجازه والتلاوة على أهل الكتابين للتحدي بتحقيق ما في أيديهم الخ كما نبه عليه المص . قوله : ( في ذلك الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة بينة ) أي المشار إليه الكتاب وصيغة البعد للتفخيم والظرفية مجازية وفيه إشارة إلى أن الكتاب فيه أمور كثيرة غير ما ذكر هنا . قوله : يدوم تلاوته عليهم متحدين به الخ هذه المبالغات إنما نشأت من وضع إنا أنزلنا عليك الكتاب موضع القرآن لأنه مشتمل على صفة التعظيم فدل على عظمة المنزل فإن اللام في الكتاب للجنس فدل على الكمال أو للعهد فدل على ما عرف واشتهر في البلاغة ثم من استئناف يتلى وذكره بلفظ المضارع الدال على الاستمرار التجددي المراد منه دوام التلاوة من تعليل الجملة بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً [ العنكبوت : 51 ] تتميما لذلك المعنى قوله متحدين حال من الضمير المجرور في عليهم أي يدوم تلاوته عليهم مطلوبا منهم المعارضة به من متحدين حال من الضمير المجرور في عليهم أي يدوم تلاوته عليهم مطلوبا منهم المعارضة به من تحديت فلانا إذا باريته في فعل ونازعته الغلبة وعبارة الزمخشري أعذب منه حيث قال في الكشاف أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ [ العنكبوت : 51 ] آية مغنية عن سائر الآيات إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين هذا القرآن الذي يدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان فلا يزال آية ثابتة لا تزول ولا تضمحل كما تزول كل آية بعد كونها ويكون في مكان دون مكان أن مثل هذه الآية الموجودة في كل زمان ومكان لرحمة لنعمة عظيمة لا تحصر وتذكرة لقوم يؤمنون يريد أن التنكير في لرحمة وذكرى للتعظيم أي رحمة لا يقادر قدرها وذكرى أي تذكرة للمؤمنين وفيه تعريض بمن لم يرفع به رأسا وتقترح آيات غيرها لا نسبة بينه وبينها يعني أوليناهم تلك النعم المتكاثرة ليشكروها ويعرفوا حقها بأن يؤمنوا وهم عكسوا وكفروا بها وقالوا لولا نزل عليه آيات من ربه .